بنك \”آر بي سي\”: الدولار الأمريكي مهدد بهبوط يصل إلى 40%

سبائك ذهب ودولارات أمريكية تعكس تحولات المشهد النقدي العالمي.

في الوقت الذي تواصل فيه الأسواق الأمريكية تحطيم الأرقام القياسية، يرفع بنك \”آر بي سي كابيتال ماركتس\” راية التحذير، ويقول إن الدولار الأمريكي مهدد بموجة هبوط حاد قد تصل إلى 40% خلال السنوات المقبلة، في دورة قد تذكر بانفجار فقاعة الإنترنت مطلع الألفية الجديدة، بحسب بلومبرج.

التحليل -الذي صدر عن أحد أقدم بيوت الاستثمار الكندية وأكثرها تأثيراً في وول ستريت- يرى أن العوامل التي دفعت الدولار للصعود خلال العقد الماضي، هي نفسها التي ستتحول إلى رياح معاكسة مع تغير خريطة تدفقات رؤوس الأموال العالمية، وتبدل أولويات المستثمرين الدوليين.

قوة الدولار الأمريكي تحت الاختبار

يشرح التقرير أنَّ قوة الدولار في السنوات الماضية ارتبطت بثلاثة عناصر؛ تمثّلت في التدفّقات الضخمة من المستثمرين العالميين إلى الأصول الأمريكية عالية العائد، والأداء القياسي لسوق الأسهم الأمريكية بقيادة شركات التكنولوجيا الكبرى، بالإضافة إلى الاستقرار النسبي للاقتصاد الأمريكي مقارنةً بالأسواق الأخرى.

لكن هذه العوامل، بحسب \”آر بي سي\”، بدأت تفقد زخمها؛ فبعد أعوام من الصعود المتواصل، أصبحت تقييمات الأسهم الأمريكية عند مستويات مرتفعة تاريخياً، بينما تتجه رؤوس الأموال تدريجياً نحو تنويع المحافظ خارج الولايات المتحدة، بحثاً عن أسواق أقل تكلفة وأكثر مرونة.

تحول تدفقات رؤوس الأموال بعيدًا عن الأصول الأمريكية

يقول ريتشارد كوتشينوس، كبير محللي العملات في البنك، إن النظام المالي العالمي \”يشهد إعادة تموضعٍ هيكلية في تدفقات رأس المال\”، مشيراً إلى أن التركز المفرط للأموال في الأصول الأمريكية لم يعد مستداماً، ويضيف: \”أي تحول ملموس في الأداء النسبي للأسواق أو في اتجاهات الطلب العالمي سيترك أثراً عميقاً على أسعار الصرف\”.

ويرى كوتشينوس أن السيناريو المرجح هو خروج تدريجي لرؤوس الأموال من السوق الأمريكية، كما حدث بعد انفجار فقاعة الإنترنت عام 2000، وهو ما قد يدفع الدولار إلى هبوط تدريجي يتجاوز 30 إلى 40% خلال الدورة المقبلة، وهي نسبة تماثل ما حدث بين عامي 2001 و2008 حين فقدت العملة الأمريكية جزءاً كبيراً من قيمتها أمام العملات الرئيسية.

تحاكي المخاوف الحالية تلك التي سادت مطلع القرن حين كان الاقتصاد الأمريكي يعيش فقاعة \”ناسداك\” الشهيرة، فكما تراجعت الأسهم حينذاك بعد موجة تقييماتٍ مفرطة، قد يواجه الدولار الآن تراجعاتٍ مماثلة نتيجة تشبّع المستثمرين من الأصول الأمريكية. ويشير تقرير \”آر بي سي\” إلى أن الدورة الحالية تظهر مؤشرات متشابهة: صعود سريع، وتدفّقات مركزة، وتقييمات مرتفعة، تليها عادة مرحلة تصحيح ممتدة تترافق مع ضعف في العملة.

اقرأ أيضًا: كيف حافظ الدولار على قوته؟ من بريتون وودز إلى البترودولار

الملاذات الآمنة تعيد توزيع أوراقها.. كيف يستعد المستثمرون؟

من أبرز التحولات التي يراها البنك أنَّ مراكز الملاذات الآمنة التقليدية لم تعد ثابتة كما في الماضي، فبينما كان المستثمرون يلجؤون إلى الدولار في أوقات الأزمات أصبح بعضهم اليوم يفضل الذهب أو الين الياباني أو حتى العملات الرقمية المستقرة كبدائل لتخزين القيمة. ويقول كوتشينوس إن هذه التغيرات قد تُضعف \”احتكار الدولار لدور الملاذ الآمن\”، خاصة إذا ترافق ذلك مع سياسات مالية توسعية في واشنطن تقلص من جاذبية العائد الحقيقي على الأصول الأمريكية.

وفي هذا الصدد، يوصي التقرير المستثمرين العالميين بعدة أدوات للتحوط من مخاطر التراجع المحتمل للدولار، تشمل خيارات استدعاء تركيبية على مؤشر الدولار الأمريكي كوسيلة للاستفادة من أي تذبذبات مفاجئة، وخيارات ثنائية صعودية على اليورو والين الياباني تحسباً لارتفاعهما مقابل الدولار، بالإضافة إلى عقد خيار استدعاء لمدة عامين على اليورو/دولار بسعر تنفيذ 1.30، ما يعادل هبوطاً بنحو 12% في قيمة العملة الأمريكية، وعقد خيار بيع لمدة عامين على الدولار/ين بسعر تنفيذ 130، أي تراجعاً يقارب 15%، ويؤكد التقرير أن هذه الأدوات لا تعني التكهن بزوال الدولار، بل إدارة المخاطر في مرحلة تشهد تغيراً في الدورة النقدية العالمية.

عوامل سياسية واقتصادية تُقلق المستثمرين

رغم التشابه مع فقاعة الإنترنت، يلفت البنك إلى فروق جوهرية بين الحقبتين، فاليوم أصبحت الأسواق أكثر تشابكاً بفضل التكنولوجيا المالية والاستثمارات البديلة، كما أن حجم الأصول غير السائلة ارتفع إلى مستويات غير مسبوقة، تشمل الأسهم الخاصة والعقارات وصناديق التحوط، وهذه الفئات، وفق \”آر بي سي\”، قد تزيد من حدة التقلّبات في حال تراجعت السيولة، لأن بيعها عند الأزمات أصعب من بيع الأصول التقليدية.

ويضيف كوتشينوس: \”الدرس من عام 2000 واضح، لكن البيئة اليوم أكثر تعقيداً، ولدينا مزيج من التحولات التكنولوجية والتوترات الجيوسياسية وتجارب السياسة النقدية غير التقليدية، وكلها تستدعي نماذج استثمار جديدة لا تشبه الماضي\”.

إلى جانب العوامل الاقتصادية، يشير التقرير إلى أنَّ الاضطرابات السياسية في واشنطن تمثل مصدر قلق إضافي للمستثمرين، فالتقلبات في توجهات الإدارة الأمريكية -لا سيما في عهد الرئيس دونالد ترامب- تُضيف عنصر عدم يقين إلى السياسات المالية والتجارية، وبحسب محللين في \”آر بي سي\”، فإن استمرار الحمائية التجارية والتقلب في الرسوم الجمركية قد يسرع من تحول رؤوس الأموال نحو أسواق أخرى، لا سيما في آسيا وأوروبا.

توجّهات أسواق الأسهم الأمريكية

يرى التقرير أن أحد أهم أسباب بقاء الدولار قوياً حتى الآن هو الارتفاع التاريخي في أسواق الأسهم الأمريكية، التي جذبت سيولة ضخمة من المستثمرين حول العالم، لكن هذا الارتباط بين الدولار وارتفاع الأسهم قد يتحول إلى فخ مزدوج إذا بدأت الأسهم نفسها في التصحيح، لأن تراجعها سيُطلق موجة بيعٍ مزدوجة تطال الأصول المقوّمة بالدولار. ويحذر كوتشينوس من أنَّ الأسواق \”تعيش حالة إنكار جزئي\”، إذ يراهن المستثمرون على استمرار السيولة بينما تتراجع الأساسيات.

البنوك المركزية تنوع احتياطاتها

أحد التحولات البنيوية التي تضعف الدولار تدريجياً هو اتجاه البنوك المركزية إلى تنويع احتياطاتها؛ فوفق بيانات صندوق النقد الدولي، انخفضت حصة الدولار في الاحتياطيات العالمية من 72% في عام 2000 إلى نحو 58% اليوم، لصالح اليورو واليوان الصيني والذهب، وهذه النسبة -رغم أنها لا تزال تمنح الدولار الهيمنة- إلا أنها تظهر مساراً تنازلياً بطيئاً، لكنه مستمر يعكس تحول النظام المالي العالمي من أحادية إلى تعددية نقدية.

عودة الذهب والين الياباني كملاذين آمنين

التحول الأبرز في سلوك المستثمرين يتمثل في عودة الذهب إلى الواجهة كأصل تحوطي رئيسي، فأسعار المعدن الأصفر ارتفعت بأكثر من 50% خلال العام الحالي ، وهو ما وصفه \”آر بي سي\” بأنه \”مؤشر على قلق كامن من ضعف العملة الأمريكية على المدى المتوسط\”، كما يشير التقرير إلى أن الين الياباني قد يستعيد دوره التاريخي كملاذ آمن في فترات اضطراب الأسواق، خاصة مع سياسة طوكيو النقدية الأكثر تشدداً في العامين الأخيرين.

العملات الرقمية تفتح جبهة جديدة أمام الدولار

يرى \”آر بي سي\” أن التحول نحو العملات الرقمية المستقرة والمدعومة بالدولار قد يوفر دعماً مؤقتاً لقوة العملة، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام منافسين جدد، فإذا فقد المستثمرون الثقة في المؤسسات الأمريكية التي تدعم هذه العملات، يمكن أن يتحول التدفق منها إلى عملات رقمية أخرى أو أصول بديلة، ما يفاقم الضغط على الدولار الحقيقي.

فقاعة الدولار؟ دروس من الماضي تحذر من المستقبل

في بداية الألفية، لم يتوقع أحد أن تؤدي فقاعة الإنترنت إلى خسائر تتجاوز 40% في قيمة الدولار خلال أقل من عقد، لكن السيناريو ذاته -كما يرى \”آر بي سي\”- قد يتكرر بشكل مختلف اليوم، مع انتقال الفقاعات من الأسهم إلى العملات والأسواق المالية الكلية، ويحذر كوتشينوس من أن الركون إلى استقرار الدولار \”خطأ كلاسيكي\” يرتكبه المستثمرون في نهاية كل دورة توسع مالي.

ويؤكد البنك في ختام تقريره أن العالم يدخل مرحلة جديدة من \”إعادة تسعير العملة العالمية\”، إذ لم تعد قوة الدولار مسلّمة بديهية كما كانت بعد الأزمة المالية العالمية في 2008؛ فصعود آسيا، وتحول أوروبا نحو استقلال نقدي أكبر، وتنامي سوق العملات الرقمية، جميعها تخلق بيئة أكثر تنافسية وأقل مركزية.

ويخلص التقرير إلى أن \”المرحلة المقبلة ستكون اختباراً حقيقياً لقدرة الدولار على البقاء في موقع القيادة، بعد قرنٍ من الهيمنة شبه المطلقة\”؛ حيث يرى \”آر بي سي كابيتال ماركتس\” أن الدولار مثل أسهم التكنولوجيا في نهاية التسعينيات، بلغ ذروة الإعجاب المفرط، لكن أي صدمة في الأسواق أو تغير في توجهات المستثمرين العالميين يمكن أن يُشعل دورة \”صعود وانهيار\” جديدة، وقد اختتم كوتشينوس تحليله بعبارة تلخص الموقف: \”الفقاعات لا تموت حين نراها، بل حين نعتقد أنها لن تتكرر\”.

اقرأ أيضًا: الدولرة.. خطة أمريكية تحفّز الدول على اعتماد الدولار كعملة أساسية

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

ابق على اطلاع بآخر الأخبار والتحديثات من Economy Pedia من خلال الاشتراك في النشرة الإخبارية لدينا!

اشترك الآن

Discover more from Economypedia

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading